إخوان الصفاء
241
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
الجوّ وما حوى فلك القمر حائط بها كلها . وأن شكل الجبال على بسيط الأرض كلّ واحد قطعة قوس من محيط الدائرة ، وأما الفعل المختص بالجبال مما ينحط عليها وينزل إليها من روحانيات زحل ، فكما قدّمنا ذكره من الثّقل والرسوب والإمساك والإحالة بين مياه البحار وبين بسيط الأرض ، لئلا يظهر عليها الماء فيغرقها . وأما ارتفاعها في الهواء ففي وسط الأرض . وهي كالحيطان والرّبدات « 1 » والشاذروانات لسوق الرياح والسحاب ما بينها إلى المواضع المفتقرة إليها ، لطفا من اللّه بخلقه ورأفة بعباده ، وكالأسوار التي تحصّن ما دونها من العدو إذا أراد ما وراءها ، وذلك أن البحار تريد أن تغرّق وجه الأرض لشدة حركات أمواجها وأنها محصورة في أماكنها ، والجبال حاجزة بينها وبين الاتساع على بقاع الأرض لطفا من اللّه بخلقه . وبطول الجبال نحو فلك القمر ودائرة الزمهرير يكون صعود البخارات التي تتراكم الغيوم والسحاب والضباب منها ، ثم يثقل وتعصرها كرة الأثير بحركاتها ، فترد هابطة فيكون منها المطر والثلج . فإذا نزل لقيته رؤوس الجبال واستقر فيها ، فأودعته كهوفها وحفائرها وخللها أيام الشتاء ، فإذا جاء الصيف وحميت الشمس عصرت تلك المياه في الجبال وطلبت النفوذ منها والبعد عنها ، فتبرز العيون وتمدّ الأنهار وتسقى القرى والمدن والسّوادات والأراضي القحلة من شمس الصيف لتحيي وتنبت العشب للحيوان ، ويكون ذلك حياة العالم ، وذلك لطف من اللّه للجمهور . وأما البحار فالفعل المختص بها والحكمة في كونها مالحة فذلك لتمتزج ملوحتها بالهواء فتدفعه ، وتمزّق الرطوبات وتقطّع الأخلاط الغليظة ، ويتصل ريحها بالعالم فتزيل عنه الوخم لئلّا يفسد الهواء فيؤدّي إلى هلاك حيوان الأرض أجمع . فإذا جرت إليها الأنهار وتتابعت عليها الأمطار لا تلبث فيها لأنها لا
--> ( 1 ) الربدات : محابس الماء ، وما يرتفق به وراء البيوت .